محمد أبو زهرة
3729
زهرة التفاسير
جمع اللّه تعالى قصة إبراهيم ولوط في موضع واحد ؛ لأنهما كانا في زمن واحد ، ولا مانع من أن يوجد نبيان في زمن إذا تباعد الإقليمان ، وقد يكونان في زمن وإقليم واحد كما في خطاب قوم إسرائيل ، ومجادلة طاغية كفرعون ، وإن كان أحدهما رسولا والآخر ردءا له . وفي القصة التي جمعت بين إبراهيم ولوط عبر نذكر بعضها قبل التصدي لذكر ما جاء في هذا الموضع ، منها إثبات أن اللّه هو الفاعل المختار المريد الذي لا يتقيد بالأسباب العادية كما نتقيد بها ، بل إنه خالق هذه الأسباب يملك تغييرها ، وأنه سبحانه وتعالى القادر المريد ، فهذه عجوز تجاوزت سن الولادة تحمل وتلد ، ومن هذه العبر أن الملائكة أراد اللّه جعلهم كالأناسى ويلبس الأمر كما لبّس على إبراهيم عليه السلام إذ أنكرهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام وأوجس منهم خيفة . ومنها أن الفواحش تفتك بالجماعات وتذهب قوتها وتعدها للفناء ، كما في شأن قوم لوط إذ إن فاحشتهم قطعت نسلهم وأسلمتهم إلى الدمار ، ومنها أن كل امرئ بما كسب رهين ومعاقب بعمله ، فلم يعف امرأة لوط من العذاب أنها امرأته ، ولأنها كانت من المفسدين حق عليها ما نزل بهم من العذاب . ومنها أن آل لوط لم يكونوا عبدة أوثان فقط بل كانوا مع ذلك يأتون الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد ، يأتون الرجال شهوة من دون النساء حتى أصبحوا لا يخرجون من شر إلا إلى شر ، فهم في دائرة الفساد المطلق والفاحشة الشنعاء التي هي كرؤوس الشياطين من المخنثين ومن يتشبهون بالإناث في ملابسهم وشعورهم بل وفي أفعالهم ، ووجدت جماعة تنطلق انطلاقا إلى كل موبق باسم حرية الإرادة وما هي إلا الوقوع في أسر الشهوة ومن ورائها ذلها . ومنها أن الانطلاق إلى الهوى لا يرده عقل ولا تدبير ولا حياء بل ولا أي مروءة إنسانية ، حتى أنهم عندما رأوا الملائكة ، جاءوا إلى لوط عليه السلام